Apr 02, 2026 Last Updated 6:54 AM, Jan 15, 2026

الصحة في زمن الاضطرابات

د.علي المبروك أبوقرين د.علي المبروك أبوقرين

في زمنٍ تتقاطع فيه الأزمات السياسية مع الانهيار الاقتصادي وغياب الأمن ، يتهاوى ما تبقى من مقومات الحياة الكريمة ، وحين تغيب الدولة وتضطرب مؤسساتها ، يختل التوازن بين البقاء والكرامة ، وتضيع الصحة في زحمة الفوضى والدم والركام ، وتتحول الشوارع إلى ساحات مفتوحة للعنف ، وتختفي شبكات الحماية الاجتماعية التي كانت تقي الناس فقر الحاجة وذل السؤال ، ويجد الشباب أنفسهم بين خيارات مرة ، وفي هذه الأجواء المشحونة بالخوف والحرمان ، تكثر الحوادث والاشتباكات المسلحة ، ويصبح الجسد هدفا والروح عبئا ، ويتسلل تجار الموت من كل زاوية مخدرات وسموم ومسكرات ومذهبات للعقل ، يزرعونها في عقول المراهقين والشباب ، حتى يصبح الإدمان بوابة الخراب الأولى ، فلا عودة منها ولا أمان بعدها ، وينتشر العنف في الأحياء ، وتتشوه صورة المجتمع المحافظ الذي كان يوما واحة أمن واستقرار وتماسك أسري ، وتبدأ السلسلة القاتلة إدمان وأمراض معدية ومزمنة وخطيرة وانهيار المناعة وتفشي الإيدز وتفكك أسري وجرائم غريبة ووصمة اجتماعية وموت بطيء للوطن ، ولم يعد المرض في الجسد فقط بل في القيم وفي الثقة وفي التربية وفي العلاقة بين الناس وبعضها ، وحين ينهار الوعي تتفكك الأسر ، ويُترك الشباب فريسة لليأس والاحباط ، وتذبل فكرة المستقبل ، ويغيب الإحساس بالانتماء ، ولمواجهة هذا المشهد المأساوي ، يصبح بناء نظام صحي قوي ومتماسك واجبا وطنيا وأخلاقيا ، ليس مجرد مشروع إداري إنما نظام يدمج بين الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل ، يضع الشباب في قلب الاستراتيجية ، ويوسع من نطاق خدمات الصحة النفسية والاجتماعية ، ويعيد الثقة إلى المجتمع بأن الدولة حاضرة لحمايته لا لمعاقبته ، ولا يمكن فصل الصحة عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي ، فالفقر يولد المرض ، والبطالة تزرع الإدمان ، وانعدام الأمل يغذي العنف ، والحل لا يأتي من المراكز الصحية وحدها ، بل من مشاريع وطنية تعيد بناء الوعي ، وتعيد تعريف معنى الحياة الكريمة ، وتربط الأمن بالصحة ، والتعليم بالوقاية ، والاقتصاد بالاستقرار ، إن التوعية المجتمعية أصبحت ضرورة وطنية ، لا سيما بين فئات الشباب واليافعين ، فهم أكثر الفئات تعرضا للمخاطر والانجراف ، وأكبر الأمل في الإصلاح والنهضة ، ويجب أن يمتد الاهتمام بهم من رياض الأطفال وحتى الجامعات ، عبر منظومة تعليمية وصحية متكاملة ، تراعي أعلى المعايير والمواصفات العالمية ، وتوفر الرعاية الصحية النفسية والعقلية والمشورة على مدار الساعة ، بما يضمن سلامة الجسد والعقل والوعي معا ، كما أن الاقتصاد الاستهلاكي والطبقي قد عمق الفجوات الاجتماعية ، وزاد من ظواهر الانحراف والسلوكيات السلبية ، وأثر سلبا على وعي الشباب وثقتهم بالمجتمع ومؤسساته ، مما يستدعي سياسات اقتصادية واجتماعية عادلة تضمن تكافؤ الفرص وتحمي الفئات الهشة من الانزلاق ، وفي خضم هذه الأزمات ، أصبحت الهجرة غير الشرعية تحديا إضافيا خطيرا ، إذ تعج ليبيا اليوم بموجات هجرة متزايدة تحولت بعض مناطقها إلى بؤر لتفشي المخدرات والأمراض المعدية ، ونشاط تجارة المخدرات العابرة للحدود ، بما يشكل تهديدا مباشرا للأمن الصحي والاجتماعي والوطني ، ولا يمكن مواجهة هذا الخطر دون تعاون وطني وإقليمي ودولي جاد ، يعالج جذور الظاهرة لا نتائجها فقط ، ويجمع بين الأمن والصحة والعدالة الاجتماعية في مقاربة إنسانية شاملة ، إن مواجهة هذه التحديات تتطلب رؤية وطنية واعية وشجاعة ، تعيد بناء الإنسان ، وتؤمن بأن الصحة والتعليم والوعي والعدالة هي مفاتيح الأمن الحقيقي والتنمية المستدامة ، وحين نرعى عقول أبنائنا وصحة أجسادهم ، ونحمي قيمهم ، نضمن للوطن مناعة ضد الفوضى والانهيار ، ولن يكون للغد معنى ما لم نحفظ شبابنا اليوم ، ففيهم تنبض الحياة ، ويُكتب مستقبل ليبيا ، وتتعافى روحها وقيمها وإنسانيتها ..

 

أكثر قراءة

رئيس مجلس الوزراء يشارك في مراسم الاستقبال والتأبين الرسمي للمشير محمد الحداد ورفاقه
رئيس مجلس الوزراء يستقبل رئيس الأركان التركي ويؤكد استمرار التعاون الليبي–التركي
نسبة المشاركة في انتخابات بلدية بنغازي لا تتجاوز 3% من السكان
ملتقى دولي افتراضي يحتفي بمؤسس نظرية الحتمية التأويلية في الاتصال ويضع خارطة طريق لتطوير البحث الإعلامي العربي.
محكمة استئناف بنغازي تفصل في الطعن المقدم من رئيس مجلس الوزراء بالحكومة الليبية

أعلن معنا هنا

 

أعلن معنا في الليبي اليوم

 

  • المقر بنغازي / ليبيا شارع عبد المنعم رياض/ عمارة الإعلام/ الدور الأول الهيأة العامة للصحافة بنغازي
  • +218.92.758.8678
  • +218.91.285.5429

 

read more